محمد بن أحمد الفرغاني

13

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

يقول : إذا التبس عليك ما قرّرت من نفي الغير والغيرية بالنسبة إلى ذوقي وشهودي من حيث مقام صحو الجمع بسبب تقيّدك بحكم مرتبة من المراتب ، فإنما يثبت نفي ذلك الالتباس تطابق المثالين الحاصلين في الروح والنفس بواسطة إدراك الحواس الخمس شيئا من الأشياء بحيث يكون كلا المثالين صورة عين واحدة وحقيقة واحدة ، وهي الذات الأقدس من حيث وصفيها المذكورين ، وذلك بأن تدرك حاسّة البصر مثلا هيئة موصوفة بصفة الحسن والملاحة ، فتدرك النفس وجودها الظاهر المقيّد بتلك الصورة الحسنة الحسّية ، وذلك الوجود هو عين ما ساقه وصف الكثرة النسبية المضافة إلى عين الوجود الواحد والذات الأقدس من حيث تنوّعات ظهوره وتعيينات نوره ، فتحصل في النفس مثال من عين ذلك الوجود الذي هو عين الذات الأقدس ووحدته من حيث ما أدركته من تنوّعاته وتعيّناته ، فتدرك الروح معنى تلك الهيئة الحسنة الحسّية وروحها الباطنة فيها وتعرج إلى عالم العلم والشهود ، وذلك المعنى أو الروح لم يكن في تلك الحضرة إلّا صورة شأن من شؤون الذات الأقدس ، فيحصل في الروح مثال من ذلك الشأن الذي هو عين الذات الأقدس ، فكان المثال الحاصل في الروح مطابقا للمثال الحاصل في النفس ؛ لأن كلا المثالين ليسا إلّا مثال الذات الأقدس بلا مغايرة وغيرية ، فتطابق هذين المثالين المتّحدين اللذين أحدهما حاصل من حيث أدنى مراتب النزول ، والثاني واقع من حيث أعلى مراتب العروج بلا غيرية ولا مغايرة بينهما يحكم بنفي الالتباس عنك فيما ادّعيته وقدّرته ، إلّا أنه ينبغي أن تعلم أن المثال الروحي حاصل من شهود كثرة الشؤون النسبية في العلم الحقيقي والمثال النفسي واقع من رؤية وحدة الوجود الظاهر المطلق في عين كثرة تعيّناته وتنوّعاته النسبية ، فاستحضر . وبين يدي مرماي ، دونك سرّ ما تلقّته منها النّفس ، سرّا ، فألقت بين يدي مرماي ، أي : قدام مقصدي ومدعاي الذي هو ذكر تطابق المثالين ، ودونك ههنا بمعنى : خذ ، وسرّ ما تلقته ، أي : حقيقة ما أخذته نفسي من تلك الحضرة ، وذلك المأخوذ هو سرّ أي : معنى باطن مستنزع من الحواس ، فألقت النفس ذلك المعنى بطريق البيان إليك ، فيكون سرّا منصوبا على التمييز ، ومنها يتعلق به ، والضمير يرجع إلى حضرة المحبوب ، وقوله : فألقت من إلقاء المسألة والأحجبة .